ابن رشد
211
تهافت التهافت
فاسم الموجود إنما يدل من الأشياء على ذوات متقاربة المعنى وبعضها في ذلك أتم من بعض ، ولذلك كانت الأشياء التي وجود مثل هذا الوجود فيها أول هو العلة في سائر ما يوجد فيها في ذلك الجنس ؛ مثال ذلك أن قولنا : حار مقول بتقديم وتأخير على النار ، وعلى الأشياء الحارة والذي يقال عليه بتقديم منها وهي النار ، هي السبب في وجود سائر الأشياء الحارة حارة . وكذلك الأمر في الجوهر ، وفي العقل ، وفي المبدأ وفيما أشبه ذلك من الأسماء ، وأكثر طبائع ما يحتوي عليه العلم الإلهي هي من هذا الجنس ، والأسماء التي بهذه الصفة توجد في الجواهر وتوجد في الأعراض . وما قاله في رسم الجوهر . فقال : فكذلك المشاركة في كونه جوهرا فإن معنى كونه جوهرا أنه موجود لا في موضوع والموجود ليس بجنس . هو شيء لا معنى له ، بل الموجود هو جنس الجوهر المأخوذ في حده على نحو ما تؤخذ أجناس هذه الأشياء في حدودها ، وقد بين ذلك أبو نصر في كتابه « في البرهان » ، والأمر عند القوم أشهر من هذا . وإنما غلط ابن سينا أنه لما رأى اسم الموجود يدل على الصادق في كلام العرب ، وكان الذي يدل على الصادق يدل على عرض ، ولا بد ، بل في الحقيقة على معقول من المعقولات الثواني ؛ أعني المنطقية ظن أنه حيث ما استعمله المترجمون إنما يدل على هذا المعنى وليس الأمر كذلك ، بل إنما قصد به المترجمون أن يدل به على ما يدل عليه اسم الذات والشيء . وقد بين ذلك أبو نصر في « كتاب الحروف » وعرف أن أحد أسباب الغلط الواقع في ذلك هو أن اسم الموجود هو بشكل المشتق ، والمشتق يدل على عرض ، بل هو في أصل اللغة مشتق ، إلا أن المترجمين لما لم يجدوا في لسان العرب لفظا يدل على هذا المعنى الذي كان القدماء يقسمونه إلى الجوهر والعرض وإلى القوة والفعل ؛ أعني لفظا هو مثال أول دل عليه بعضهم باسم الموجود لا على أن يفهم منه معنى الاشتقاق ، فيدل على عرض ، بل معنى ما يدل عليه اسم الذات فهو اسم صناعي لا لغوي ، وبعضهم رأى لموضع الأشكال الواقع في ذلك أن يعبر عن المعنى الذي قصد في لسان اليونانيين التكلم فيه بأن اشتق من لفظ الضمير الذي يدل على ارتباط المحمول بالموضوع ما يدل على ذلك المعنى ، لأنه رأى أن هذا أقرب إلى الدلالة على هذا المعنى فاستعمل بدل اسم الموجود اسم الهوية لكنه أيضا تكلف من هذا